مصطفى مسلم

120

مباحث في إعجاز القرآن

كل تلك الآيات عليها الصبغة الزاهية من البيان الرائع والجمال اللفظي في أبسط أسلوب وأوضحه وأقربه إلى الفهم والقلب . لقد كان معروفا ولا زال عند علماء البلاغة وأهل البيان أن هناك أمورا معيّنة وأحوالا خاصة يجيد فيها الشاعر أو الكاتب دون سواها . وحالته النفسية تلعب دورا في إعطاء الملامح والمزايا لإنتاجه ، لذا عرف بعض الشعراء بجودة المديح والغزل وآخرون بالهجاء والذم ، وكانت الأسبقية لآخرين في الشجاعة ووصف الحروب ، ولغيرهم في الحكم ودقة التعبير عن المعاني العقلية أو النفسية . وكان إذا ترك أحدهم ما طبع عليه ، وحاول أمرا لم يعتد عليه تناقصت قيمة شعره وإنتاجه وربما جاء بما يستنكر أو يستكره . لذا ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب . أما أن تلتزم الطبقة العليا في الفصاحة وذروة سنام البلاغة في كل صغيرة وكبيرة مهما اختلفت المواضيع وتباينت الأحوال وامتد الزمن فذلك ما لا نجده في إنتاج أحد من البشر ، لأن البشر - كما يقول ابن عطية - يعمهم الجهل والنسيان والذهول ، ومعلوم ضرورة أن أحدا من البشر لا يحيط بكل شيء علما ، ولا يكون ذلك إلا للخالق جلّ جلاله وتعالى شأنه ، الذي أحاط بالكلام كله فيعلم مكان اللفظة وما يناسبها في الترتيب ، وما يصلح أن يكون رديفا لها ، فلذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة « 1 » . والمتتبع لآيات القرآن الكريم من العارفين بأفانين البلاغة يجد فيه فنونها بأسرها ، من إفادة المعاني الكثيرة باللفظ القليل ، ومن ضروب التأكيد ، وأنواع التشبيه والتمثيل ، إلى ضرب الأمثال ، وأصناف الاستعارة ، وحسن المطالع والمقاطع والفواصل ، والتقديم والتأخير ، والفصل والوصل ،

--> ( 1 ) مقدمة « المحرر الوجيز » لابن عطية ، 1 / 38 . ط المغرب .